ابن المقفع
254
آثار ابن المقفع
خذت الإكليل وتركت الكسوة التي ليس في خزائننا مثلها . فلما سمعت إيراخت مدح الملك لحورقناه وثناءه عليها وتجهيلها هي وذم رأيها ، أخذها من ذلك الغيرة والغيظ فضربت بالصحفة رأس الملك فسال الأرز على وجهه ، وكان ذلك تمام تعبير الرؤيا التي عبرها كباريون . فقام الملك من مكانه ودعا بإيلاذ وقال : ألا ترى ، وأنا ملك العالم ، كيف حقرتني هذه الجاهلة وفعلت بي ما ترى ، فانطلق بها واقتلها ولا ترحمها . فخرج إيلاذ من عند الملك وقال : لا أقتلها حتى يسكن عنه الغضب ، فالمرأة عاقلة سديدة الرأي من الملكات التي ليس لها عديل في النساء . وليس الملك بصابر عنها وقد خلصته من الموت وعملت أعمالا صالحة ورجاؤنا فيها عظيم ، ولست آمنه أن يقول : لم لم تؤخر قتلها حتى تراجعني ؟ فلست قاتلها حتى أنظر رأي الملك فيها ثانية ، فإن رأيته نادما حزينا على ما فعل جئت بها حية ، وكنت قد عملت عملا عظيما وأنجيت إيراخت من القتل وحفظت قلب الملك واتخذت عند عامة الناس بذلك يدا ، وإن رأيته فرحا مستريحا مصوبا رأيه في الذي فعله فقتلها لا يفوت . ثم انطلق بها إلى منزله ووكل بها خادما من أمنائه وأمره بخدمتها وحراستها حتى ينظر ما يكون من أمر الملك . ثم خضب سيفه بالدم ودخل على الملك كالكئيب الحزين فقال : أيها الملك ، إني قد أمضيت أمرك في إيراخت ، فلم يلبث الملك أن سكن عنه الغضب وذكر جمال إيراخت وفضلها واشتد أسفه عليها وجعل يعزي نفسه عنها ويتجلد . وهو مع ذلك يستحي أن يسأل إيلاذ أحقا أمضى أمره فيها أم لا . ورجا لما عرف من عقل إيلاذ ألا يكون قد فعل ذلك . ونظر إليه إيلاذ بفضل عقله فعلم الذي به ، فقال له : لا تهتم ولا تحزن أيها الملك ، فإنه ليس في الهم والحزن منفعة ، ولكنهما ينحلان الجسم ويفسدانه ، فاصبر ، أيها